التاريخ دراسة مسلية "برتراند راسل "


الثلاثاء، 28 يونيو 2022

قديسات على أرض مصر

  

    

القديسة كاترين 


برزت على أرض مصر نساء عظيمات كتب لهم التاريخ خلود سيرتهم التي دلت على عظم مكانتهم وسمو قدرهم , فكانت في الأساطير مثل ايزيس , وكانت على أرض الواقع مثل اياح حتب "أم الملك أحمس " , و حتشبسوت .

   لذلك عندما مرت القرون وأتى عصر المسيحية وانتقلت إلى مصر واقبل عليها أهلها .  برزت نساء أخريات على أرضها , آمن بها ودافعن عنها مهما تحملوا من العذاب . فكان "اوريجين " أحد أبرز معلمي الكنيسة , لسيدة مصرية فضل عظيم عليه , ففي أواخر القرن الثاني الميلادي و أوائل القرن الثالث , عندما كان اوريجين صغيرا استشهد والده في محاولات الرومان محو المسيحية من مصر وتم مصادرة أملاكه , فرعته تلك السيدة هو وأخوته الستة , وانفقت على تعليمه .

   ولم يقتصر تعليم أوريجين على الرجال , فكان له أيضا تلميذات استشهدن , ومنهم "بوتامينا " الأمة الجميلة التي قاومت اغراء سيدها لها فشكاها للوالي لأنها مسيحية وقدم له رشوة لاقناعها بالخضوع لسيدها , وقد تم تعذيبها حتى استشهدت وكذلك حرقت أمها "مارسللا" ايضاً.  وكان من تلميذات "أوريجين "أيضا , سبع شابات أوكل لهم مهمة عظيمة وهي نسخ الكتاب المقدس في صيغته النهائية .

   وعلى أرض مصر كانت النساء المضحيات بحياتهن , وذكر لنا التاريخ "دميانة " القديسة الشهيدة , ابنة "مرقص" والي البرلس الوحيدة , فعندما بلغت سن الزواج , عزفت عنه وأرادت التفرغ للعبادة , وطلبت من والدها العزلة . فبنى لها والدها قصراً قرب الزعفرانة وجعل في خدمتها أربعين عذراء , وكان ذلك في عهد الامبراطور دقلديانوس مضطهد المسيحيين "284-305" م , وذات مرة طلب من الولاة ومنهم  " مرقص " والد "دميانة " الذهاب معه للمعبد وتقديم القرابين للآلهة , ولما علمت بذلك "دميانة " قابلت والدها حزينة لما فعله , فتأثر والدها وقابل الامبراطور وأعلن عن ندمه لما فعل واعلن مسيحيته , فقطعت رأسه فوراً , وقبض على دميانة والفتيات الأربعين وتم تعذيبهم ثم قتلهم . وقد بنت الامبراطورة هيلانة أم الامبراطور قنسطنين "306-337"م كنيسة في بلقاس , فوق المكان الذي ضم قبور دميانة وصاحباتها .

   ومن منا لا يعرف أحد أهم معالم مصر وسيناء الأثرية "دير سانت كاترين " , وكانت البداية عندما ولدت "كاترين " بالأسكندرية لأبويين وثنيين ارستقراطيين , تعلمت الفلسفة والخطابة والموسيقى والرياضيات والطبيعة والفلك والطب ,  وعندما بلغت ثمانية عشر عاماً رفضت الزواج واعتنقت المسيحية , حتى أنها غيرت اسمها من "زورثيا" إلى "كاترين " أو الطاهرة أو كثيرة الأكاليل , وقدرت على الوقوف في وجه "مكسيميان " امبراطور الغرب , الي انبهر بجمالها وقوة شخصيتها , وقد طلبت منه أن يحضر إليها علماء الوثنية لتجادلهم , فجاء إليها بخمسين عالماً , اعتنق بعضهم المسيحية بعد أن اقنعتهم بالبراهين بفضل المسيحية على عبادة الأوثان .

   فكان ذلك سبباً لغضب الوثنيين فحرضوا الامبراطور ضدها هي والعلماء الذين آمنوا بالمسيحية , فطلب منهم الامبراطور العودة للمسيحية ولما رفضوا قتلهم , أما "كاترين" فقد سجنت وطلب منها الامبراطور الزواج والعودة لعبادة الأوثان فرفضت , برغم تعدد الرسل لترغيبها واقناعها , فكان أن أنزل بها العذاب , وكان منها دواليب مركبة بسيوف بارزة , وقطع رأسها في النهاية , وعندما انتهى عصر الشهداء نقل الرهبان جسدها إلى سيناء إلى جبل سمي باسمها .  

    ونذكر ايضا من الشهيدات "للونيا" السكندرية التي وقفت أمام والي اسكندرية وأخذت تبشر بالمسيحية فأعجب بشجاعتها الكثير, وامنوا بالمسيحية , فقبض عليها وعذبت وبترت أعضائها وكسرت أسنانها , وظلت على ايمانها , فأمر الوالي بإلقائها في حفرة من النار.

   وكما كانت الشجاعة والاستشهاد مصدر تأثير على المصريين فاعتنقوا المسيحية , وازداد عددهم , كانت ايضا الشجاعة والتفاني في خدمة الناس ايضاً مصدراً للتأثير في اعتناق المسيحية , وتساوى في ذلك الرجال والنساء ونذكر من أمثلة النساء اللاتي افنين حياتهن في خدمة المسيحية و مساعدة الناس , الناسكة "بي آمون " التي كانت تعول نفسها وأمها من صناعة الغزل و النسج , و كانت في خدمة الناس فقامت ذات مرة ومنعت معركة كبيرة بين قريتين بسبب تقسيم مياه الري . 

    وهناك ايضاً القديسة "فيرينا " من "كراكوز" بمركز قوص محافظة قنا , كانت ممرضة صاحبت كتيبة مصرية في عهد الامبراطور دقلديانوس , إلى الحدود البلجيكية الفرنسية السويسرية , كمساعدة لامبراطور الغرب " ماكسيميان " لاخماد ثورة شعبية هناك , وقد تم لهم النصر , قتلهم "ماكسيميان " بعد أن رفضوا تقديم فروض الطاعة لمذبح الأوثان , لأنهم كانوا مسيحيون , وسرحت الممرضات , فاتجهن الى سولوتورن بشمال سويسرا , على الحدود بين سويسرا وألمانيا وعاشت هي وزميلاتها على حياكة الملابس و تطريزها وساعدتهم في بيعها سيدة عجوز من أهل البلاد وكانت تشتري لهم الطعام ومستلزماتهم اليومية , ثم عرفهم أهل المنطقة , وتعلمت لغتهم . تقرب إليها أهل البلاد بعد أن عرفوا عنها شفائها للأمراض فكانت على دراية بالتمريض وطب الأعشاب وعلمتهم النظافة والاغتسال بالماء , والصلاة من أجل الشفاء فطلب منها السكان الوثنيون معرفة دينها , فنشرت بينهم هي وزميلاتها  تعاليم المسيحية . وعندما علم حاكم المنطقة بأمرها , سجنها هي وزميلاتها , إلا أن الحمي التي أصابته , وقدرتها على شفائه منها جعلته يطلق سراحها هي وزميلاتها . وبعد انتهاء عصر "دقلديانوس "و"ماكسيميان "عام 305 م , ومجيء عصر قنسطنطين الذي أقر المسيحية ديانة رسمية للامبراطورية , انطلقت فيرونيا تنشر المسيحية حتى استقرت بمدينة تسورتساخ بسويسرا , ثم اعتكفت 11 عاما في كهفها تخدم المحتاجين . ثم توفيت في الأول من سبتمبر عام 344 م , عن 64 عاما . وبني فوق مكان دفنها كنيسة , ونحت لها تمثال تحمل فيه جرة ماء وتمسك باليد الأخرى مشط شهادة منهم على عدم معرفتهم بأبسط قواعد النظافة ": غسل الوجه ونظافة الشعر "  الا بفضلها , وأقيمت بسويسرا 70 كنيسة تحمل اسمها , 30 بألمانيا .

   ولا شك أن أرض مصر لها تأثير على من وفد إليها , فتشبع بثقافتها , ومنها , ابنة قاضي الاسكندرية الروماني "جينا " , التي قد جاءت للاسكندرية بحكم عمل والدها , فكان تعليمها على يد فلاسفة سكندريين مسيحيين , أثروا فيها , فآمنت سراً بالمسيحية , وتخفت في زي رجل لمقابلة بعض النساك لتتعلم منه , فاتهمتها امرأة بتهمة باطلة  , فقبض عليها وحاكمها والدها , فانفردت به وكشفت له أمرها , فتأثر لذلك وآمن بالمسيحية واعتزل القضاء , وتفرغ للعبادة وصار أسقفاً , وقد استشهد أثناء ممارسة شعائر الصلاة , فعادت "جينا " وباقي أسرتها لروما , واستشهدت في طريق "لاتنيا" فأقيمت كنيسة بنفس ذلك المكان .

   وبعد أن صارت المسيحية ديناً رسمياً للبلاد , اتجهت بعض النساء للرهبنة وتفرغن للعبادة ومساعدة الآخرين , ونذكر منهم القديسة "مريم" أخت الأنبا "باخوم" – أول من أنشأ الاديرة في مصر – فكان لها ديرا للنساء . فاجتذبت الأديرة في مصر فتيات فضلن الرهبنة على مظاهر حياة الترف , ومنهن القديسة "أفروسينا " الابنة الوحيدة لأحد أثرياء الاسكندرية , و "أفروسينا " تعني البهجة , حيث جاءت له بعد أن فقد الأمل في أن يرزق بالذرية . وعندما بلغت "أفروسينا " ثمانية عشر عاماً , أراد والدها تزويجها بشاب غني فرفضت , حتى أنها هربت يوم زفافها , متنكرة بزي رجل لأحد الأديرة , وعاشت هناك ثمانية عشر عاماً كراهب , وظن والدها أنها توفيت , وكان يذهب للدير لطلب المعونة والارشاد , وعندما مرضت صرحت بأمرها لوالدها وأوصته بأن يترك أملاكه للفقراء وأسلمت روحها خالقها , فانصاع والدها لطلبها , ثم التحق بالدير ليعيش فيه عشر سنوات في قلاية ابنته .

  وغيرهن الكثيرات , فالقائمة طويلة بسجلات الأديرة والكنائس المصرية للقديسات اللاتي  ضربن المثل في الصبر والطهارة والسمو , فبرزت سيرهن وعبرن الحدود وتعلم منهن البشر في كل مكان .  

 

 

الخميس، 2 يونيو 2022

الفرار من بغداد للقاهرة "2"

 

المدرسة الصالحية من أهم مراكز التعليم في عصر المماليك 


بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية في يد المغول عام 656 هـ  - 1258م , والذين ذبحوا وحرقوا ونهبوا أهلها , مما جعل الكثير من أهل العراق يفرون للشام ومصر ومنهم العلماء والتجار والصناع والفنانين , وكانت الدولة الأيوبية في مصر تحتضر , وتولى من بعدهم المماليك الحكم ليدخلوا في صراع مباشر مع المغول الذين اطلقوا الشرارة وهددوا وجودهم في مصر , فكانت موقعة عين جالوت عام 1260م , ثم تلاها اغتيال السلطان المملوكي قطز - بيد المماليك بسبب الصراع على السلطة - قبل أن يأخذ خطوة جدية في تثبيت ملكه , باستضافة أحد أفراد البيت العباسي لتنصيبه خليفة اسمياً , والتحكم في أرث الخلافة فعلياً , وقد فعلها السلطان بيبرس حيث اختار الأمير العباسي أبو القاسم أحمد واستقبله في القاهرة وبايعه بالخلافة عام 1261م . وقد لقب  "بالمستنصر لله" , وانتقلت شارات الخلافة للقاهرة وهي مخلفات الرسول صلى الله عليه وسلم , بردته , وبعض من شعر لحيته , وسيف الخليفة عمر بن الخطاب . وأصبحت العراق تحت حكم المغول في ذلك الوقت , فكانت مصر والشام – بعد ان استطاع المماليك صد هجمات المغول على الشام – مقصداً هاماً . ومكاناً آمناً للتجار و مكان ترحيب للأطباء والعلماء و الأدباء وتعاون الصناع العراقيون والفنانون والخطاطون مع إخوانهم المصريين ليطورا الصناعة والفن الذي بقيت روائعه حتى الآن تزين المتاحف العالمية .

   جدير بالذكر أن كثير من عائلات التجار العراقيين أثرت في الحياة الفكري فكان منهم العلماء ومنهم من أسس المدارس الدينية من حر ماله .

    وإذا كانت مصر بوجه عام والقاهرة بوجه خاص مقصداً لعلماء العراق أيام الدولة المملوكية , فهذا لم يكن غريباً فقد حدث نفس الشيء أيام سابقتها الدولة الأيوبية , حيث قدم لها من علماء الفقه والحديث وعلوم القرآن الشيخ الجلولي المقري , والشيخ البغدادي , وابن شعبان الأبلي وابن الأعلاقي .

     أما علماء العراق وقت الدولة المماليك فكان من أشهرهم : الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن علي من نسل الحسين بن علي بن أبي طالب وكان عالماً في القراءات وعلم الأصول , وهناك عبد اللطيف بن الصيقل التاجر الحراني وقد عملت أسرته بالتجارة , وايضاً كان منهم علماء في الدين , وكان زين الدين الفارقي وابنه مروان الملقب ببدر الدين من الفقهاء , وايضا الشيخ علم الدين ابن بنت اسحق العراقي وكان يدرس في مدرسة الأمام الحسين , والشيخ عز الدين المارديني الحنفي وكان يدرس بالمدرسة الصالحية  , وهناك شيخ الفقهاء نجم الدين أبو عبدالله الحراني الحنبلي .

   وكان منهم من عملوا بالخطابة في المساجد فهناك الشيخ ابن العوام المحوجب وقد قرأ بالقراءات السبعة , وكان زميله ووريثه في الفقه من بعده الفقيه شمس الدين الجزري , حتى السيدات الفقيهات نزلن مصر وعلمن نساءها منهم الفقيهة الزاهدة فاطمة بنت عباس البغدادية الملقبة بأم زينب .

    وقد شاع التصوف في العراق بتشجيع من الدولة العباسية التي كانت تلك الحركة تحت رعايتهم لصد أي حركات مثل العيارين والشطار . ولبث الأمل في نفوس الناس بعد الحملات الصليبية على المشرق , وقد انتقلت مظاهر الصوفية لكل بلاد الاسلام ومنها مصر , فكان قدوم المتصوفة نهجاً لما فعله أساتذتهم الذين استقروا في مصر من قبل , وطوافاً ببلاد المسلمين الذي كان مبدأ هاماً بالنسبة لهم , ومنهم ابن القسطلاني التوزري , والابرقوهي , والشيخ ابن البناء , والشيح العارف بالله محمد بن أبي العشائر القرشي الباذبيني الواسطي صاحب الكرامات الخارقة , والشيخ عزالدين أبو اسحاق العلوي الحسيني العراقي .

  وكذلك ساهم ايضا العراقيون في الأدب والشعر والنحو  وكانت تلك الأنشطة تمارس بجانب تخصصهم الأساسي ألا وهو الفقه , ونذكر منهم الفقيه القاضي صدرالدين الجزري , النحوي المترجم علي بن عدلان الموصلي , الأديب أمين الدين السليماني الأربلي , الكمال طه بن أبي الأربلي .

   أما في العلوم العقلية فكانت لهم اسهامات بارزة , ونذكر منهم الطبيب العراقي ابن الأكفاني , وكان بارعاً في الرياضيات واهتم بدراسات اقليدس , وكان نابغة وخاصة طب العيون وكانت له مؤلفات طبية منها "كشف الدين في أحوال أمراض العيون " وكان يعمل ببيمارستان قلاوون بالقاهرة , كما كان عالماً بالجواهر و الأحجار الكريمة , وكان شاعراً وأديباً . وكذلك الطبيب الشاعر شمس الدين الموصلي .

   وقد برع ايضاً العراقيون الوافدون إلى مصر في علوم المنطق , ومنهم : عيسى بن داوود البغدادي الحنفي , وكان من تلامذته العراقيين في مصر الذين تولوا التدريس والبحث من بعده , ابن الاكفاني , والسبكي , و الطبيب شمس الدين الجزري المعروف بابن المحوجب . وحتى فنون الموسيقى تطورت بفضل التبادل بين الفن المصري والعراقي وكان من أبرز الموسيقيين العراقيين محمد بن عيسى البغدادي , ويرجع بأصوله إلى مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين وكان حافظاً للقرآن تولى في شبابه مشيخة الزاوية بجوار المشهد الحسيني , وكان طبيبا ايضا , ولم يتكسب من الموسيقى نهائياً . وقد لوحظ أن  كتاب التراجم من العراقيين في مصر قد تأثروا بميل المصريين للنوادر والنكات فكان هذا ظاهراً في كتاباتهم , ومنهم : محمد ابن ابراهيم الأكفاني , محمد بن دانيال الموصلي , ومسند الحديث أبو عبد الله الحراني .

     ويتضح لنا أن سقوط بغداد وتوافد العراقيون على مصر والشام ومكوثهم على أرضها و تمازج علومهم وفنونهم بعلوم وفنون المصريين ترك آثاراً مزدهرة في مختلف المجالات , بفضل ترحاب المصريون بهم , ورعاية سلاطين المماليك .