التاريخ دراسة مسلية "برتراند راسل "


الجمعة، 20 نوفمبر 2020

الملك امنحتب الثالث صاحب طريق الكباش


                                الملك أمنحتب الثالث 

    كثير منا تأمل في تمثال الملكة "نفرتيتي" الشاهد على براعة الفنان المصري الذي وصل حد كبير من الإتقان , والتي  كانت زوجة للملك "أمنحتب الرابع" الذي غير اسمه إلى "اخناتون" وقاد ثورة دينية وفكرية ووحد الآلهة في إله واحد هو آتون أو قرص الشمس ونقل العاصمة من واست " طيبة " إلى "اخيتاتون " في تل العمارنة بمحافظة المنيا الحالية,ذلك المناخ الجديد لم يأت من الفراغ فقد اعتلى أمنحتب الرابع عرش مصر ووجدها تنعم بالرخاء الاقتصادي والفكري والاستقرار السياسي وكان ذلك نتاجاً لماتركه سلفه و أبوه " أمنحتب الثالث" , مماجعله يتفرغ لدينه الجديد ويقود ثورته الفكرية .

   وإذا تناولنا سيرة أبيه الملك "أمنحتب الثالث "تاسع ملوك الأسرة "18" في الدولة الحديثة من تاريخ مصر القديم  , سنجده قد تميز بأشياء عديدة, منها : فترة حكمه التي تجاوزت خمس وثلاثين عاماً , والتي ساعدته على الاستقرار و الرخاء الإقتصادي والذي جعله يهتم بالعمارة والفنون وظهر ذلك جلياً في معبد "الأقصر" الذي بناه لعبادة الثالوث " آمون" وزوجته" مونت " و ابنهما "خنسو" إله القمر,  ويعد ثان معابد طيبة الكبرى , ربطه أمنحتب الثالث بمعبد الكرنك بطريق نطلق علىه اليوم بطريق " الكباش "  زين على جانبيه بتماثيل على شكل أبي الهول بلغ عددها 500 تمثال على الجانبين , لها أجسام الأسود ورؤوس الكباش حيث يرمز الأسد للقوة والشجاعة و الكبش رمز آمون حيث قوة الخصب والإنتاج . وسجل في ذلك المعبد نص الولادة الألهية لنفسه كما فعلت الملكة حتشبسوت حيث اعتبر نفسه وريثاً إلهياً لعرش مصر من أبيه آمون , وكان له 600 تمثال للإلهة سخمت – ابنة رع وربة الحرب لها جسد امرأة و رأس لبؤة – في معبد" موت " بالكرنك , وبنى في طيبة الغربية قصراً ومعبداً جنائزياً هدمه الملك " مرنبتاح " عند تشييده لمعبده ولم يبق منه سوى تمثالان على جانبي الصرح والمعروفين باسم تمثالا"ممنون". وعمت انجازات أمنحتب في العمارة الدينية مصر , حيث بدأ انشاء جبانة العجول "السيرابيوم" بسقارة , وأقام تماثيل القرد للإله تحوت في الأشمونين , كما كانت له مبان أخرى في أبيدوس والكاب و أتريب وتل بسطه , وتميزت كل انجازات أمنحتب المعمارية والفنية بتحررها من الأشكال التقليدية الصارمة , والتي ظهرت بوضوح في فكروفن آثارخلفه أمنحتب الرابع من رقة المشاعر.وقد اهتم أمنحتب الثالث بعبادة الشمس حيث كان له آثار بهليوبوليس "عين شمس " فكانت اشارة لزيادة الإهتمام بآتون أو قرص الشمس . وكانت له آثار في النوبة حيث بنى معبداً في اليفانتين , وآخر في وادي السبوع لآمون , ومعبداً في "عينبه" لعبادة "حورس" الجنوبي , وكذلك معبداً في صولب لعبادته هو وزوجته  الملكة "تي" والمعبود "آمون" .

 

طريق الكباش 



   

 

معبد الأقصر


مقبرة العجول بسقارة 

تمثال القرد بالأشمونين  

 

  أما سياسته الخارجية فقد امتد تأثيرها لما بعد وفاته , وربما كانت تلك السياسة قد كتبت في سجل قدره , فكانت البداية قبل ميلاده حيث كان والده الملك تحتمس الرابع غير مهتم بإرسال الحملات لآسيا نظراً لحالة  الاستسلام والسكون التي أظهرها جيران مصر الآسيويين , وإن كان هذا ظاهرياً فقط وبمرور الوقت سيثبت عكس هذا . على كل حال فقد أراد الملك تحتمس الرابع في توطيد العلاقة مع حاكم "ميتاني "الملك "أرتاتاما" –في شمال سوريا - واتحاده معه لدعم قوته ضد الحيثين في شمال وسط الأناضول , فتوطد هذا الاتحاد بالزواج السياسي بين تحتمس الرابع وابنة حاكم "ميتاني" الأميرة "موت إم ويا" , وكسربذلك الملك تحتمس الرابع القاعدة الشرعية التي كان ينتهجها ملوك مصر القديمة بالحرص على الاقتران بالزوجة الملكية للتأكيد على شرعية الحكم , فكان هذا اتجاهاً معاكساً لتوطيد الحكم وقد نتج عن تلك الزيجة ابنا صار فيما بعد , الملك " أمنحتب الثالث" فكان ذلك الملك يجري في عروقه دماء غير مصرية ومما لاشك فيه ذلك كان مؤثراً على سياسته الخارجية .

  وقد تزوج أمنحتب الثالث من أميرة مصرية تدعى سات آمون , كانت ابنة تحوتمس الرابع من أميرة مصرية , ولم يقم أمنحتب بحملات تأديبية لآسيا, حيث كان حكام آسيا يثبتون الولاء لمصر بإرسال الجزي والهدايا . ومثلما لجأ والده "تحتمس الرابع" للزواج السياسي لتوطيد علاقاته الخارجية فعل ابنه ايضاً بل توسع في ذلك , فقد قامت مملكة الحيثيين -الذي كان اشتباكها  وشيكاً مع مصر- بقتل ملك ميتاني حليف مصر بيد حليفها "عبدي شرتا"حاكم أمورو,  بل وقام باعلان نفسه وصياً على العرش , ولكن فشل كل ذلك وقام الملك الجديد لميتاني "توشراتا " بتزويج ابنته "تادوخيبا" لملك مصر لتوطيد علاقته به .

   وفي تلك الأثناء كانت بابل حليفة مصر, لها مطامع في آشور التابعة لميتان حليفة مصر , فكان نتاج ذلك الجو المتوتر المتشابك المعقد أن حرص الملك "كاريجالزو" ثالث ملوك الأسرة الكاشية على زواج ابنته بالملك "أمنحتب الثالث" لينال الحماية المصرية مثله مثل ملك ميتاني وملك أرزاوا . وكذلك ليحصل على عطايا مصر من الذهب والفضة والنحاس و اللازورد التي كانت تجلبها من آسيا وتهديها لحلفائها , وتلك الموارد كانت هامة في المشروعات العمرانية وخاصة الدينية . ومافعله "كاريجالزو" كرره ولده وخليفته "كادشمان-إنليل الأول " .فقد صاهر أمنحتب الثالث وزوجه ابنته ووثقت وسجلت رسائل العمارنة كافة تفاصيل الزيجة من تكاليف وتبعات وفق التقاليد العراقية القديمة .

   وقد أرسل ملك مصر مبعوثاً مصرياً لمصاحبة ابنة "كادشمان أنليل" لمصر , فتجرأ الملك "كادشمان أنليل " أن يطلب من "أمنحتب الثالث" أن يرسل له أميرة مصرية ليتزوجها فكان الرد عليه:" أنه منذ أمد بعيد لم تقترن ابنة ملك مصري من شخص أجنبي ".فعاود طلبه بأنه يريد أي مصرية ليتزوجها مدعياً أمام شعبه أنها أميرة مصرية , وذكر ملك مصر أنه وافق على طلبه لابنته , فرفض أمنحتب الثالث رفضاً قاطعاً لمخالفة ذلك الأعراف المصرية , ممايوضح النظرة الفوقية التي كان ينظرها ملك مصر لملوك بابل , وكان لإتمام تلك الزيجة الشرط الصريح بإرسال مصر للذهب , فكان الرد المصري بما اثبتته الوثائق أن العروس قد ارسل لها خمس عربات محملة بالأثاث الفاخر المطعم بالعاج والمصفح برقائق الذهب , وهذا لم يرق للملك "كادشمان أنليل " , مثلما لم يرق من قبل "توشراتا" حاكم "ميتاني" , حيث كانت مصرترى أنها أقوى من تلك البلاد ولا يجب أن ترضخ لطلباتهم حتى أن مبعوثي تلك البلاد كانت مقابلة الملك لهم تتميز بالفتور والتعالي .

   على أن الملك المصري لم يهنأ بتلك الزيجة فقد ماتت العروس البابلية بالطاعون , ومثلما فعل "كادشمان أنليل " تكرر نفس الشيء مع ابنه "بورنابوش الثاني " الذي صاهر ملك مصر , حرصا منه على التحالف المصري البابلي أو حتى التنازل ليصل إلى حد التبعية لما كان يواجه بابل من مخاطر من تنامي قوة آشور وتهديد قبائل السوتو لحدودها وطرقها التجارية . وكان نتيجة لتلك الزيجات السياسية من حكام آسيا , أن اطمئن الملك "امنمحات الثالث " لحدوده الآسيوية التي كان يصونها أصهاره ومن يدينون له بالولاء , ولم تعد هناك حاجة للحملات العسكرية .

  أما سياسة الملك الخارجية مع النوبة فقد قام في العام الخامس من حكمه بتجنيد فرقة نوبية لتأديب القبائل النوبية في أقصى الجنوب على الحدود المصرية السودانية , و بالنسبة للحدود الغربية فقد سجلت آثار الأقصر ذكر قبائل "المشوش" إحدى الجماعات الليبية , كما أن لوح أنشودة النصر في النوبة ذكرت أنه كان يسيطر على قبائل "التحنو" الليبيين المعروفين بالأقواس التسعة .

  

 

تويا حماة الملك 

 

مومياء يويا

 

مومياء يويا وتويا

 

قناعي يويا وتويا والدا الملكة تي 

الملكة تي 

 

 

الملكة تي متقدمة في السن 

 

                         تمثال نفرتيتي        

 

               تمثال اخناتون            

ومثلما تزوج "أمنحتب الثالث" من الأميرة المصرية و الأميرات الأجنبيات , كن بالنسبة له صفقات سياسية وساكنات بجناح الحريم إلا زيجة واحدة له تميزت بكونها أخذت منحى جديداً في التقاليد الأسرية الملكية بمصر القديمة , وكانت تلك الزيجة في العام الثاني من حكمه , من فتاة مصرية تدعى "تي" ابنة أحد نبلاء أخميم ومن كبار ضباط الجيش ويدعى "يويا" وزوجته  "تويا"والتي كانت من عائلة على علاقة وثيقة بالقصر الملكي . وقد أنجبت لأمنحتب الثالث ستةابناء , ذكرين أكبرهما مات في حياة أبيه والثاني صار الملك "اخناتون" , و أربع إناث حملت اثنتين منهن لقب ملكة . وكانت الملكة "تي" من قوة الشخصية وحب الملك لها , أن تركها تدير شئون مصر الداخلية والخارجية حتى أن المراسلات الخارجية الآتية من آسيا كانت تأتي أحياناً باسمها , ولقبت بلقب "الزوجة الملكية العظمى " , وشاركت الملك في الأعياد الشعائرية الكبرى مثل عيد سد – لم يحتفل به كثير من الملوك لأنه بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على العرش – كما صورت على شكل أبي الهول , وخصص لها الملك معبداً في سرنقة الواقعة بين الجندلين الثاني والثالث , وحفر لها بحيرة في الجزء المنخفض من بركة تقع جنوب معبد مدينة هابو و ألحقها بقصر في شرقه . وقد عاشت الملكة "تي" للعام الثامن من حكم ابنها "اخناتون " بنفس الشخصية القوية المؤثرة في شئون الدولة فكانت الخلافات على أشدها بينها وبين زوجة ابنها الملكة "نفرتيتي" , حيث تعودت الملكة الأم أن تكون السيدة الأولى , ولم تتقبل أن تكون لمصر ملكة غيرها .

السبت، 14 نوفمبر 2020

القادم ومعه نبتة

 


                                            محمد علي باشا 

  يتجول  البشر في جميع أنحاء العالم حاملين معهم البضائع والأفكار وأشياء كثيرة لا تعد ولا تحصى – قد تكون منها الأمراض المعدية – يؤثرون ويتأثرون , وقد يأتي البعض منهم بنباتات من البلاد البعيدة , والتي قد تؤثر على شكل الحياة الزراعية في المكان المستوطن الجديد , منها ماحدث في مصر بلد الزراعة الخصيب , أدخل لها الوالي محمد علي باشا- حكم "1805- 1849"م - , العديد من المحاصيل الزراعية التي غيرت من شكل المواسم الزراعية ومن حياة الفلاح والتاجر بل ومن حياة المواطن المصري اقتصادياً و اجتماعياً , ونذكر منها الفاكهة المصرية الشهيرة المسماة  باليوسفي أو الأفندي أو اليوسف أفندي وهو من الحمضيات المسماة "مندرين" ، وهو اسم  مقاطعة صينية. وأطلق أيضاً الاسم على كبار الموظفين الصينيين لأنهم كانوا يلبسون قبعات عليها زر كبير يشبه المندرين. وكانت ملابسهم أيضاً بلون المندرين.

ومن المعروف أن محمد علي باشا كان مهتماً بإرسال التعليمية للخارج للعودة بالعلوم المختلفة للاستفادة منها في بناء دولته الحديثة , فقد كان من ضمن الطلاب من الذين أرسلهم لفرنسا ويدعى يوسف أفندي الأورفلي , وهو في طريق العودة , أن واجهت سفينته ريح شديدة فاضطرت أن ترسو سفينته في مالطا , وتصادف في تلك المدة أنه رست سفن حاملة أشجارا مثمرة من شرق آسيا تدعى المندرين ، فاشترى منها يوسف أفندي ثمانية براميل بها شجر مثمر من المندرين ,  وعندما وصل مصر و قابل  محمد علي باشا التمس يوسف أن يحمل معه بعضًا من هذه الفاكهة ، وعندما تناولها محمد علي باشا أعجبته وسأل عن اسم الفاكهة- وكان يوسف سأل قبل ذلك بعض الحاشية عمن يحبه محمد علي من أولاده أكثر من غيره، فأخبره أنه يحب طوسون باشا الذي توفي وكان الوالي في حزن شديد عليه -  فقال يوسف له: إن اسمها هو "طوسون"، فتبسم محمد علي وفطن لذكاء يوسف أفندي ، سأله عن اسمه ,  فأجاب : يوسف. فأمر محمد علي بتسميتها "يوسف أفندي",  وأمر بزراعتها في حديقة قصر شبرا، فعرفت منذ ذلك الحين باليوسف أفندي وكانت فاتحة خير على يوسف الأورفلي الذي عهد محمد علي له بالتجارب و الخطط الزراعية في مصر وقتها فأصبح من أصحاب النفوذ والسلطة .

 

الزعيم أحمد عرابي 

وإذا كان يوسف أفندي قد أرسله محمد علي لدراسة الزراعة فجاء بأشجار اليوسفي وبدأ زراعتها في مصر , فإن الزعيم والقائد أحمد عرابي (1841 - 1911) م , قد عاد من منفاه بسيلان أو سري لانكا ببذور و أشجار المانجو الهندي لزراعتها , وكان له صديقاً يدعى أحمد باشا المنشاوي من كبار ملاك الأراضي في محافظة الغربية ، والذي بدأ بزراعة  المانجو  بقرية القرشية مركز السنطة بالغربية فتطورت لتصبح زراعة المانجو المصرية على ماعليه الآن والتي اشتهرت بجودتها وتصديرها لبلاد العالم .

سير والتر رالي يدخن التبغ 


   والمسافر شرقاً و غرباً قد يأتي بكل جديد والذي ربما قد يصبح بعد ذلك من الأساسيات للحياة اليومية لبعض البشر , ومنها ما آتي به سير " والتر رالي " 1552- 1618" الكاتب والشاعر والفارس والجاسوس والمستكشف الإنجليزي، و كان أحد المقربين للملكة اليزابيث ابنة الملك هنري الثامن والتي اشتهرت بقوتها و تطلعها لتبوأ بلدها مكانة مرموقة , فأتاحت للسير والتر الإماكانيات ليسافر للعالم الجديد بأمريكا لينافس الأسبان أصحاب المبادرة الأولى وليأت من العالم الجديد بالبطاطس و التبغ .    


                               فرانسيسكو دي ميلو بالهيتا يزرع شتلات البن 

   وإذا كانت هناك محاصيل جاءت إلينا من العالم الجديد لتصبح محاصيل اقتصادية لاغنى عنها , فهناك محاصيل زرعت في العالم الجديد لتصبح جزءاً هاماً من اقتصاده ومنها البن , ففي بدايات القرن الثامن عشر ,  كان هناك ضابط بحري يدعى "جابرييل دي ماتيو كليو" سافر لجزر "المارتينيك" شرق الكاريبي والخاضعة للتاج الفرنسي وزرع فيها شتلات البن المهربة من جاوة الآسيوية , فانتشرت في مزارع جزر الكاريبي الفرنسية بشكل واسع واعتمدت على العبيد الأفارقة , مما جعل ملك البرتغال يرغب في زراعة البن بأملاكه على أرض البرازيل بأي ثمن , فكلف " فرانسيسكو دي ميلو بالهيتا " بمهمة الحصول على شتلات البن , وذلك عام 1727م , ولما وجد "بالهيتا" صعوبة في الحصول على الشتلات بالطرق الشرعية , لجأ لحيلة بأن أوهم زوجة حاكم "غيانا الفرنسية"  بحبه , فقدمت له عند رحيله باقة من الزهور بها شتلات البن , ليحضرها للبرازيل وتزرع على نطاق واسع , لتصبح البرازيل أكبر منتج للبن على مستوى العالم .

 وإذا كنا ذكرنا رحلة البن للعالم الجديد , فلهذا النبات رحلة في العصر الحديث داخل العالم القديم , فأول ماعرف هذا النبات على صورته البرية كان في أثيوبيا , وقد ظهرت في اليمن على يد الصوفي الإمام محمد بن سعيد الذبحاني المعروف باستيراد البضائع من إثيوبيا إلى اليمن بمنتصف القرن الخامس عشر , حيث استخدمت الصوفية في اليمن القهوة  كمساعد على التركيز ونوع من الروحانية في حلقات الذكر . وقد تمت زراعة البن بشكل واسع في اليمن , بل وأصبح ميناء مخا باليمن مركز تجارة البن في العصر الحديث – منه جاءت تسمية موكا – ثم انتشرت لأنحاء الدولة العثمانية , ونقلها التجار الإيطاليين لأوروبا .

                                     ستوكس و أسرته الهندية 

    وإذا كان هناك من ينقل النبتة الجديدة لبلده ليزرعها , هناك أيضا من ينتقل من بلده حاملا معه زرعها لينبته في أرض غريبة يتعلم منها ويفيد أهله , وهذا ماحدث مع المغامر الأمريكي صامويل ايفانز ستوكس "1882 –1946" م ,  الذي كان والده رجل أعمال غني يعمل في المصاعد , سافر برغم معارضة أهله للهند عام "1904 "م  ويتطوع لمستعمرة الجذام , أحبه أهالي شيملا الهندية لحسن معاملته ومشاركته لهم العيش البسيط , ومع الوقت أعطاه أهله المال اللازم للتبرعات , ثم تزوج فتاة هندية عام "1912" م وانجب خمسة ابناء , فكانت تلك نقلة نوعية في حياته حيث ترك حياة الفقر والزهد واستفاد بأموال أهله ليكون رب أسرة ورجل يعتمد عليه من حوله في شتى النواحي , ففي عام "1916"م  اشترى أراض ليزرعها تفاحاً أمريكياً طوره الأخوان ستارك من لويزيانا بالولايات المتحدة حيث ناسبت تلك السلالة الجديدة مناخ ولاية هيماتشال براديش الهندية وازدهرت الزراعة بشكل كبير , ونقل بذلك التفاح الأمريكي للهند لأول مرة , وصاحب غناه المادي تقاربه مع الهنود واعتماده عليهم في الزراعة , بل واعتناقه الهندوسية واطلق على نفسه اسم " ساتيانادانا "  و واقناع زوجته الهندية المسيحية باعتناق الهندوسية , وقد اصبح عضوا في الكونجرس الوطني الهندي , وتعاون مع الهنود في مقاومتهم للاستعمار البريطاني ودخل السجن لذلك , ودافع عنه المهاتما غاندي , ثم عانى من المرض لأعوام حتى توفي عام 1946 م , قبل أن يرى استقلال الهند . وقد رحل الانجليز , وبقيت مزرعة ستوكس للتفاح عامرة بأجيال من عائلة ستوكس , وأصبحت ولاية هيماتشال براديش الواقعة في أقصى الشمال من أهم محاصيلها التفاح الذي غير في شكل الحياة الاقتصادية لتلك الولاية .

 

السبت، 7 نوفمبر 2020

المسجد الجامع

 

بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليثرب , بدأ في تأسيس مجتمع جديد انهي فيه الخصومة بين قبيلتي الأوس والخزرج , وآخى فيه بين المهاجرين والأنصار , ووضع الصحيفة التي تعتبر دستور المدينة نظم فيها كل الأمور الاقتصادية و الاجتماعية لساكني يثرب , ثم شرع الجهاد ليمنح الكيان السياسي لدولة المدينة , ومعظم تلك القرارات المصيرية كانت تتخذ من مكان كان يجتمع فيه المسلمون , ألا وهو المسجد .

   وكان رسول صلى الله عليه وسلم قد ابتاع مربداً – المربد : موقف الجمال ومحبسها – من صاحبيه غلامين يتيمين يدعيا  سهيل وسهل من بني مالك بن النجار وكانا في حماية أسعد بن زرارة ثم شرع في بناء المسجد , حيث كان جداراً مبطناً غير مسقوف , وحددت القبلة على بيت المقدس , و كان أسعد بن زرارة هو من بناه وكان يصلي فيه بأصحابه , ويجتمع بهم كل جمعة وذلك قبل مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم, وقد اختير هذا المكان ليكون مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم, عندما بركت فيه ناقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, فدعا رسول صلى الله عليه وسلم الغلامين ليبتاع منهما المربد , فرفضا و أرادا وهبه لرسول صلى الله عليه وسلم, فأبى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وابتاعه منهما بعشرة دنانير , فعدل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يكون مهيئا لجمع المسلمين للصلاة وللمشاورة معهم في دينهم ودنياهم , فأمر بقطع نخيله وغرقده – الغرقد هو شجر من الفصيلة الباذنجانية ذو ثمار تؤكل وفروع شائكة – و كان في ذلك المربد قبور منذ لأيام الجاهلية , فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بنبشها , و غيبت العظام ,  و كان فى المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب -المستنجل ممشى ماء المطر-وسويت الخرب , وحفر أساس المسجد على ثلاثة أذرع , ورفعت جدرانه بالطوب اللبن – الطوب الذي لم يحرق بالنار - , واختلف الباحثون و المستشرقون في مساحته , إلا أن الباحث الأثري الأستاذ الدكتور أحمد فكري , بعد دراسات دقيقة للروايات رأى أن المسجد عرضه 63  ذراعاً , و70 ذراعاً في الطول . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل حجارته بنفسه ويعاونه أصحابه على ذلك .

فكان يقول أثناء العمل : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة .

وفي البداية كان المسجد عبارة عن ساحة فسيحة , فشكا المسلمون من تعرضهم لحرارة الشمس فيها , فأقام الرسول صلى الله عليه وسلم ظلة , استخدم فيها جذوع النخل كأعمدة للقبلة المسقوفة , وأصبح للظلة ست , فكانت الأعمدة ثلاثة إلى يمين المنبر , وثلاثة إلى يساره , ثم طرحت على أعمدة النخيل , عوارض النخل والعروش والجريد , وبنى بجوار المسجد بيوتاً بالطوب اللبن , أسقفها من النخل والجريد , وأقام للسيدة عائشة بيتاً يفتح يؤدي بابه إلى  المسجد , وكان المسجد له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره , و باب الرحمة أو باب عاتكة , وباب كان يدخل منه الرسول صلى الله عليه وسلم أمام باب عائشة , وكانت قبلة المسجد ناحية بيت المقدس , بعد أن كان يترك للمسلمين حرية اختيار قبلتهم , لأن " لله المشرق والمغرب , فأينما تولوا فثم وجه الله أن الله واسع عليم " سورة البقرة آية 115 . وكان بيوت أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم لها أبواب نافذة إليه , وكانوا تسع بيوت مبية باللبن , لها حجرات من جريد مطرور بالطين , أسقفها منخفضة , مقسمة شرق المسجد وشماله , أضيفت كلها للمسجد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم, نزلت الآية الكريمة " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها , فول وجهك شطر المسجد الحرام " سورة البقرة , آية 144 . وذلك في العام الثاني من الهجرة , فعدلت القبلة من الشمال للجنوب وبالتالي أقيمت ظلة جديدة في الجانب القبلي للمسجد , فأصبح له ظلتان , وسمي بذي القبلتين . واتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الظلة القديمة بيتاً لأهل الصفة وهم الفقراء من الصحابة لا منازل لهم ولا عشيرة , كانوا ينامون في المسجد , ويظلون فيه , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بعضهم للعشاء معه ,  ويوزع الآخرين على الصحابة . وكان مابين الظلتين رحبة واسعة , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب مستنداً إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي , ثم صنع مولى العباس بن عبد المطلب ويدعى "كلاباً "منبراً من درجتين ومقعد , وضع موضع القبلة . ولم يكن هناك مئذنة للمسجد , حيث كان المسلمون يذهبون للصلاة بلا نداء , وطلب بعضهم أن ينادي في المسلمين ببوقاً مثل اليهود , ونادى البعض أن ينادى في المسلمين بالجرس مثل النصارى , واستقر الأمر على أن ينادى بلال بن رباح المسلمون بالصلاة , فكان يذهب إلى دار حفصة بنت عمر بن الخطاب زوج الرسول ويرتقي أعتاب فيها ويؤذن عليها " .

   وبعد بناء المسجد بسبع سنوات ضاق المسجد بالمصلين , فاشترى الرسول صلى الله عليه وسلم أرضا من الأنصار زادت من مساحة المسجد الشرقية والغربية والشمالية , فجدد سقف المسجد . وفي خلافة أبي بكر رضي الله عنه , جددت جذوع النخيل لتآكل القديمة , وزاد عليها الجريد , ثم تخربت في عهد عثمان بن عفان فبناها بالآجر – الطين الموضوع في قوالب والمجفف في الشمس - .

    وإذا كان أبا بكر الصديق لم يزد في المسجد شيئاً , فإن في سنة 17 هجرية زاد فيه عمر بن الخطاب , وبناه على مثل بنائه الأول  باللبن والجريد وجعل عمده خشباً , وفي سنة 29 هجرية زاد عثمان بن عفان مساحة المسجد , بل بنى جداره بالحجارة المنقوشة والجص – الجبس - , وكانت أعمدته من الحجارة المنقوشة وسقفه بالساج – خشب من شجر الساج يقاوم التآكل والمياه - , ثم كان هناك بعض التغيير في عهد مروان بن الحكم رابع حكام الدولة الأموية  الذي أمر بوجود مقصورة من الحجر المنقوش , ثم زيد في المسجد في عهد  الوليد بن عبد الملك عام 88 هجرية , وأشرف على ذلك والي المدينة وقتها عمر بن عبد العزيز , فبعث الوليد بالمال والفسيفساء و الرخام , وثمانين صانعاً من الروم والقبط من أهل الشام ومصر . وظل الحال على ذلك حتى زاد فيه الخليفة العباسي المهدي عام 162هجرية , ثم رممه الخليفة المتوكل على الله سنة 247 هجرية . ثم توالى عليه سلاطين مصر المملوكية بالتجديد والترميم فقد أحدثت ترميمات وتجديدات عام 655 هجرية عللى عهد السلطان المنصور علي , وايضا في عهد السلطان الملك الناصر  محمد بن السلطان المنصور قلاوون عام 705 هجرية وايضا في عهد السلطان قايتباي , وكذلك سلاطين الدولة العثمانية ونذكر منهم تجديدات وتوسعات السلطان محمود الثاني وابنه السلطان عبد المجيد الاول . ليترك كل هؤلاء بصمة فنية ومعمارية تعكس ثقافاتهم وخلفياتهم الحضارية .

    و إذا تأملنا مسجد الرسول نجده يتميز بالبساطة عاكساً تعاليم الدين الاسلامي , فنظام النسب فيه يقوم على أساس انساني هو الوضع الأفقي في نظام يتسق ونظرية المساواة في المجتمع الاسلامي , بعيداً عن أي طبقية  وتقسيم فئوي . فكان هذا التخطيط الأساس لسائر العمائر الاسلامية المتأخرة كالمدارس و الخوانق والقصور و الوكالات و الفنادق . وقد أصبح المسجد أساساً للتنظيم العمراني للمدينة الاسلامية , حيث تلتف حوله بقية المراكز العمرانية , فقد كان هو النواة في دولة المدينة المنورة فكان مركزاً للصلاة ودار للندوة , وفيه كان يتشاور الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في كل شؤونهم وعلاقاتهم بمن يحيطونهم , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل وفود العرب فيه فكان  القادمون للمدينة يعقدون رواحلهم في فنائه ويقابلون الرسول صلى الله عليه وسلم في السقيفة , وكان تعقد ألوية المسلمين للخروج سواء للاستطلاع أو الغزو . وفيه كان يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين دينهم , وهم بدورهم يعلمونه لوفود العرب , وظل للمسجد وظيفة المدرسة لوقت طويل , وكان يقيم فيه فقراء المسلمين من أهل الصفة , وفيه كان يجتمع الرسول وصحابته يتحادثون ويتناشدون الأشعار .

 

في صحيح البخاري عن  أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا"

وورد في صحيح مسلم , عن أبي هريرة رضي الله عنه , أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفيه الروضة المباركة ، حيث ورد في صحيح البخاري  , أن الرسول الله عليه وسلم قال : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   رزقكم الله وإيانا بشرف زيارته .